سهيلة عبد الباعث الترجمان

702

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بل كما ينبغي له ، فهو قبل الخلق في عماء ، وبعد خلق الخلق فيما كان عليه من قبل ، فعلم من هذا أن المراد بالعماء هو الحكم السابق إلى الذات بعدم الاعتبارات وخلق الخلق يقتضي الظهور ، والظهور هو حكم اللاحق بالذات مع وجود الاعتبارات ، فتلك السبقية هي القبلية ، وهذا اللحوق هو البعدية ، ولا قبل ولا بعد ، إذ هو قبل وبعد ، وهو أول وهو آخر " « 1 » . وعليه فإن الجيلي في كل ما ذهب إليه من القول بأسبقية الحق ولحوق الخلق أو القول بالقبلية والبعدية لا يعني الزمن ، ولا يمكن وجود فترة زمنية متميزة في حقه تعالى ، أو وجود انفصال بينه تعالى وبين خلقه ، إذ أن الزمن والاستمرارية في المكان والزمان هي نفسها مخلوقات له " فالبعدية والقبلية للّه تعالى حكميّان في حقه لا زمانيان ، لاستحالة مرور الزمان عليه ، فأبد الحق سبحانه وتعالى شأنه الذاتي باعتبار استمرار وجوده بعد انقطاع وجود الممكن " « 2 » كذلك الظهور والبطون هو واحد لأن العين واحدة لا مغايرة فيها ، والقبل والبعد والأول والآخر جميعها واحدة لعين واحدة ، وهو في هذا متسق مع منطق مذهبه حيث يقول : " والعجب من هذا أن ظهوره عين بطونه لا باعتبار ولا بنسبة وجهة بل عين هذا عين هذا ، فأوليته عين آخريته ، وقبليته عين بعديته " « 3 » . وهذا يمثل جانب الحيرة عنده إذ أن العقل القاصر لا طاقة له بربط هذه الأمور جميعها لأنها متناقضات ، لذلك عبّر عن حيرته هذه فقال : " حارت فيه العقول وانقطع دون عظمته الوصول ، فلا مفهوم يصوّره ولا معقول " « 4 » ، إذن فلا ماضي ولا مستقبل في حقه تعالى ، لأن فكرة الزمان الماضي أو المستقبل بحق نظرة الحق تعالى معدومة ، بل مقضي عليها لأن الأمور كلها معلومة له في مراتبها ، فيعرفها بتعداد صورها في مراتبها لأنها لا تتناهى ، ولا تنحصر ، ولا حدود لها ، وهذا هو إدراك الحق للعالم ولجميع الممكنات في أية حال من وجودها ، سواء في العدم أو الوجود « 5 » .

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 37 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 71 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 37 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 37 . ( 5 ) الجيلي ، شرح رسالة الأنوار ، ص . ص 12 - 13 .